الشيخ حسن المصطفوي

10

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

يتحقّق الاصطفاف في كلّ مرتبة . فانّ النون يناسب النعمة المذكورة في الآية الثانية ، والنعمة عبارة عن الترفّة والطيب ، وفي قباله الجنون وهو المواراة والتغطَّى في العقل والإدراك بحيث لا يعقل ترفّها وطيبا ونعمة . ومبدأ هذا القول مشاهدتهم النبىّ ص غير توجّه إلى التلذّذات والمشتهيات المادّيّة ، ولا يطلب ترفّها ولا عيشا دنيويّا ، غافلين عن أنّ اللذائذ الروحانيّة هي الأصل والحقّ الثابت ، وكان يقول : اللَّهمّ لا عيش إلَّا عيش الآخرة . فيبحث في السورة عن حقيقة النعمة وهي النعمة الاخرويّة واللذّات الروحانيّة ، ويذمّ الَّذين لا يتوجّهون الَّا إلى العيش الدنيوىّ ، فيقول تعالى : * ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه ِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) * . . . . * ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) * . . . . * ( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَه ُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّه ِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ ) * . . . . * ( وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّه ُ لَمَجْنُونٌ . ) * فيذكر ما يتعلَّق بأصحاب النعيم ، وفي مقابلهم أصحاب الجحيم ، إلى آخر السورة ، وفي آخرها يكرّر قول أهل الدنيا بأنّ النبىّ مغطَّى إدراكه وهو مجنون عن إدراك اللَّذات الدنيويّة . فيكون المراد من القلم : النبي الَّذى يظهر ويضبط لهم حقائق النعمة ويهديهم إليها ويكشف لهم النقاب عن وجهها . ويراد من السطر : تلك الحقائق المضبوطة والبيانات الَّتى تظهر من القلم في صفحات القلوب أو في الأوراق . نأى مقا ( 1 ) - نأى : كلمتان : النؤى ، والنأى . فالنؤى : حفيرة حول الخباء يَدفع

--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه‍ .